رنيم أبو خضير 

"كارما"

عندما تتمرد المرأة في مجتمع شرقي فهذا يعد ثورة متعددة الأوجه، فهي تتمرد على المجتمع المتخلف، وفي ذات الواقع تتمرد على الذكور المهيمنين أصحاب السطوة، وتتمرد على ذاتها (الضعيفة والخاضعة)، من هنا تكمن أهمية صوت المرأة، وهنا نذكر بدور "نوال السعداوي" في  كشف عورة المجتمع الشرقي الذكوري، وبدور "جمانة حداد" في فتح الباب أمام المرأة لتتقدم من الأدب الأيروسي، المحرم والمحظور.

قبل الدخول إلى ما جاء في "كارما" انوه إلى ضرورة أن نتجاوز الشكل المجرد لما جاء في الومضات، وضرورة التقدم من الهدف/الغاية منه، (فالساردة)  تريدنا أن نرى حقيقة المرأة، ما تريده وتحتاجه، وما صوتها المتمرد إلا تأكيدا على إنسانيها، تأكيدا على ضرورة أن نتجاوز ذاتنا الضعيفة والخاضعة، فإذا كانت (المرأة)  تتمرد، أليس بالأحرى في (الذكور) المهيمنين أن يتمردوا  ويثوروا على واقعهم؟، فتناول أحدى المحرمات "الجنس" ومن امرأة يعد عملا ثوريا حقيقيا، وهذا ما يجعلنا  نتوقف عند هذا الصوت (النادر) في زمن السكوت أو المحرمات.

 وما يحسب لهذه الومضات الصيغة  الأدبية التي جاءت بها، فجمالية التعبير، والقدرة على التكثيف، وسهولة  اللغة كافية لجعلنا نستمع بها:

1".

شراسة 

فوق السرير 

تشتعل الحرب 

الأنهار 

تنزف" 

صورة مثيرة تعبر عن (الحب) وما فيه، فالحديث/الصورة عامة، ولم يتم تحديد من هو فوق السرير، وهي صورة قاسية "تشتعل، الحرب، تنزف"  لكنها تستوقفنا لأنها كاملة، فبعد "الأنهار تنزف" لن يكون هناك شيء مثير، فقد انتهت الشراسة على السرير، فهل الهدف/الغاية من هذا (الانتهاء والاكتمال) اثارة القارئ، أم أن له مبرر جمالي أدبي؟، إذا ما توقفنا "السرير" المذكر، نجده يحمل صورة المجتمع الذكوري، صورة الذكر، فالسرير (أرض/مكان) المعركة النزيف هو مذكر، وهذا يشر إلى فكرة القسوة والشدة التي تحملها (الساردة) عن الذكر.

"2.

تذوب كالحلوى 

منتشيه 

بحنو

شفاهنا "    

المفارقة بين الومضة الأولى والثانية، أن الأولى جاءت بألفاظ قاسية، بينما الثانية جاءت بألفاظ  ناعمة، بيضاء "تذوب، كالحلوى، منتشيه، بحنو، شفاهنا" فألفاظ خالية من العنصر المذكر، لهذا جاءت ناعمة وسلسة، فالجمال والهدوء في (الحب) يتناقض مع الحالة الأولى، وكأن "مشتعلة والحرب" التي  افتتحت بها الومضة الأولى، تريد أن تطفئها بهذه النعومة وهذا البياض، وتقربنا (الساردة) من الحدث أكثر، فتحدثنا عن ذاتها، وليس عن صورة/حدث عام، وهي بهذا الجرأة ـ الحديث عن الذات ـ تقوم بتمرد آخر جديد، فهي لا تتحدث عن فعل محرم (مجهول) بل عن ذاتها، وهذا ما يحسب لجراءتها وقوتها.

"3.

طفل لا يشبع 

فمك 

فوق هطل صدري"

صورة ناعمة ـ إذا ما استثنينا ـ "لا، هطل" ـ لكنها  جميلة وسلسة، ونجد علاقة بين قسوة  فعل "هطل" والمذكر "طفل وفمك" فكلما كان هناك لفظ مذكر، تكون القسوة والشدة  حاضرة أيضا.

"4

في سرة بطني 

يمر لسانك 

ينتفض الشوق 

رهبة

ايها الشوق" 

أيضا نجد حالة الصراع/القسوة "ينتفض، رهبة" بعد لفظ "لسانك" المذكر، وفكرة "أيها الشوق" تدعو (الحبيب) ليتقدم أكثر منها، فالفظ المذكر يثيرها ويرغبها بالتقرب منه، وكأنها تقول أن الحالة الطبيعة أن يجتمع الذكر والأنثى، وأن يعطي ويأخذ كلا منهما من الآخر حاجته.

"5.

لسانك منجل الحصاد 

ناضجة

ثمار ارضي

في غيابك" 

رغم صورة الريف الجميلة، إلا أن لفظ "منجل" المذكر و"لسانك" عكر صفاء الريف والطبيعة الريفية، وتألق الفكرة جاء من خلال الفصل بين "المذكر "لسانك/منجل" وبين المؤنث "ثمار/أرضي" فالدعوة لتوحدا معا هو المثير والجميل.

"6.

فلاح الأرض 

وحده 

يعرف كيف يحصد 

محاصيل وفيرة 

أرض جسدي بين يديك"

تقدمنا أكثر من حياة الريف في الصيف، موسم الحصاد، "الفلاح، يحصد، محاصيل، أرض" ونجد العلاقة التكاملية/المنفعية بين الفلاح والأرض، والجميل فيما جاء  بهذه الدعوة (المستترة) أنها تتماثل وطبيعة الريف البسيطة والخجولة، وكأن (البيئة الريفية) أثرت على (الساردة) فجعلتها تقدم  بفكرتها بهذا (الاحتشام)، وليس  بطريقة التي سبقاتها "لسانك، سرة بطني".

"7.

يشتاق أكثر 

وأكثر 

الرجل

لا تشبع الأرض 

من المطر بعد جفاف طويل"    

تعود بنا إلى الحديث العام، وكأن الفلاح والأرض جعلها تتقدم من طبيعة القرية، وكأن المطر وما فيه من برد جعلها (تنزوي) قليلا حتى لا  يبللها المطر، فابتعدت عن التصريح، واكتفت بهذا التلميح الجميل.


"8.

ومشتعل أنت 

كجمرة 

أنا غصن الشجرة 

معك"

التكامل بين المؤنث "كجمرة، شجرة" والمذكر "مشتعل، غصن، معك" فالمطر في الشتاء يتطلب نار مشتعلة للتدفئة، والملفت للنظر أن حالة المذكر والمؤنث  متداخلة "مشتعل  أنت كجمرة، أنا غصن شجرة" فحالة التماهي والتوحد بينهما محت/ازالة الفصل والفرق بين الأنثى والذكر، فهما شيء جديد منصهر لا يمكن تفكيكه.

 "9.

تتلحف من قريب 

دفئي 

لا ترتوي من جأش

قلب امرأة 

لا تشبع"

نبقى في الشتاء والتدفئة، وكأن برودته أثرت على السادرة،  لهذا  جاء ذكر "قلب".

"10.

تهب مثل النار 

رياح الحنين 

لاحتراقك" 

التوحد والتفاعل  بين المذكر والمؤنث في "النار ، ريح" 

"12.

جبال شامخة 

تهاجر اليها 

من والى اثدائي

طريقك"

تنقلنا من الريف المحافظ، إلى الطبيعة البرية/البدائية، فتجميع بين "جبال شامخة" وبين "اثدائي" فمن يعيش في الطبيعة  البرية (البدائي)، وهي  تخاطبه باللغة التي يفهمنا،  لهذا استخدم  اللغة الصورية التي يفهما، فكان الأثداء والجبال".

"13

تتفجر مثل نهر 

يطفح سرير الشقاء"

الجميل في الصورة أنها جاءت   تجمع بين حالة البرية "نهر" وبين التمدن "سرير".

"14

جن جنونه هذا البحر 

الساكن فيك 

انفجر"

صورة لكثرة وقوة التدفق، فتبدو (الساردة) وكأنها استكفت من هذا "البحر" المجنون.

"21

بعد شتاء طويل 

حصتي من الشتاء 

خريف"

حالها (جفاف) بعد أن كانت تنعم بالماء. 

"26

الفستان فوق العلاقة 

جثة 

هامدة

خلعتها عن جسدها"

تدخلنا إلى المعاناة والوحدة وأثرها عليها، فهي لم تعد تستخدم ياء المتكلم، كما في السابق، وهذا يشير إلى (نفورها)  من واقعها، من نفسها، فتتحدث عن امرأة (مجهولة) وكأنها تتهرب من مواجهة نفسها  بالحقيقة، حقيقة كونها بعيده عن ذلك الرجل/الحبيب.

"27

الوحدة تسيل 

مثل دم 

بين فخذي 

امرأة وحيدة 

تحيض"

حالة الوحدة انعكست على اللغة المستخدمة وعلى الصورة، فجاءت الصورة  القاسية ومنفرة، فهي كمرأة لم تجد إلا أن تعطينا صورة (بشعة) عن المرأة، فختارة وقت "تحيض".

"48

صلاة استسقاء

تصلي الصبية 

على السرير

الذي وطئهن اقدام 

الوحدة"

صورة الألم الذي تمر به "الصبية" وأملها في المطر، جاء بشكل رائع، رغم  الظمأ/القسوة الصورة.

"57

منتصف الليل 

تفرد شعر حزنها الصبية 

على جسد مبتل بعرق 

الشوق"

تركيبة  الشعر والجسد المبتل والشوق،   متداخلة ومركبة فوق بعضها، وهذا يعكس حجم الأزمة/الحاجة التي في الصورة.   

"59

مخذولة كما الرب من عباده."

التقدم أكثر في التمرد وتجاوز (المحرمات) جاء من خلال "الدين".

"63

وظائف عديدة 

الاسم الأخير 

العائلة 

تربح"

وتعري النظام الاجتماعي ونظام الدولة.

"65

لا شكر على عرفان 

تغرق السفينة 

بمجاملات كاذبة"

تبين نفورها مع واقعها الاجتماعي من خلال تفشي النفاق في المجتمع، فيما الومضات الثلاث السابقة نجد  الحالة حقيقة الحالة الاجتماعية البائسة التي يعيشها المجتمع، وكأنها بها أرادت أن تقول: همومي ليست جنسية/جسدية/عاطفية/شخصية فقط، بل لي كما للمجتمع هموم  تؤذيني وتنغص علي وتحرمني من حقوقي كأي فرد في المجتمع  ـ من المفترض أن يكون مدني وليس قبلي/عشائري ـ .

"70

على السرير 

تتأرجح الحزينة 

بين ركام الأصابع"

تقدمنا من جيد إلى معاناتها المرأة في المجتمع الذكوري، فتتحدث عن (امرأة) مجهولة، الكن فكرة الحرمان قوية ومؤثرة فينا، والملفت للنظر أن "الحزينة" المؤنثة تتألم بين ذكرين "السرير والأصابع" فهي محاصرة وسجينة بينهما، وهنا تكمن جمالية الصورة. 

"74

نقرة مطر 

على جسد الصباح

يثور الحنين.." 

إذا ما توقفنا عند "المطر" نجده مقدمه لفعل إثارة جسدية، فالجسد بعد المطر/الماء يتطهر، ينتشي، ويريد أن يتقدم من حالة جديدة، رافضا ما كان عليه في السابق.

"76

رجل من صلصال 

عتيد

ثم يذوب 

بقبلة"

الرجل، المذكر "عنيد" لكنه يتحلل/يذوب بفعل مؤنث "قبلة"، فالأنثى قادرة على صهر كل الأجسام الصلبة/القاسية، فهي الأقوى.

"78


بكل اذعان يفض الليل بكارة قلبي مرة اخرى ..

ويحبل بالوجع."

الجميل في هذه الومضة أننا نجد أفعال متعلقة بالأنثى "بكارة، يحبل، بالوجع" فالألفاظ المجردة تُوصلنا إلى أن المتحدث هي امرأة، فالأنوثة حاضرة في المعنى وفي الألفاظ معا.

"84

تتحسس

فمها الكرزي 

المهجور

تسأل :

هل فقد طعمه!"

التورية والإيحاء للحاجة الجسدية جاء بشكل جميل (ومحتشم).

"86

انا الغريبة في ملجأ الوحدة 

اريد ان اعود الى حضنك"

تعود بنا إلى "أنا" المتكلمة، لتتحدى بوضوح مجتمعها وواقعها.

"90

رائحة انفاسك 

عطر قلبي المفضل 

متى تجيء اليه!"

 ياء المتكلم والرغبة بالذكر "أنفاسك"  تمرد آخر على الواقع والمجتمع.

"95

أحبكّ

وهذا مخزي جدا 

لامرأة مثلي تكتب ،

ترى الرجال شياطين وتهجي شراستهم."

تستوقفنا الفكرة، فكرة الحاجة للذكر/للرجل، فهو ماء الحياة حتى لو كانت الأرض خصبة وكان الماء معكرا.

اقرأ أيضا: كارما.. رنيم أبو خضير

حكاية وطن, أدب, ترجمات, هل تعلم, منوعات, مجتمع, قصة قصيرة, خواطر, شعر وقصائد, فن وترفيه, علوم وتكنولوجيا, آراء وافكار, تاريخ, شخصيات, اقتصاد, خربشات, حقائق غريبة, كتب, ثقافة, صحة ولياقة

حكاية وطن, أدب, ترجمات, هل تعلم, منوعات, مجتمع, قصة قصيرة, خواطر, شعر وقصائد, فن وترفيه, علوم وتكنولوجيا, آراء وافكار, تاريخ, شخصيات, اقتصاد, خربشات, حقائق غريبة, كتب, ثقافة, صحة ولياقة