يحتاج هذا النص الكثير من التركيز لصياغته، الأمر معقّد- بالنسبةِ لي على الأقل- لأن الكتابة عن أرضٍ احتوتني طيلة عشرين سنة ليس بالأمر السهل، اختلاط المشاعر بين الحب والحاجة يخلق بيني وبين التعبير فجوة أُحاول جاهدةً اجتيازها.

من دُوارِ الشُهداء وصولاً إلى باب الساحة، الخريطة التي أضعها عادةً حين أُقرر الهروب لأحضانِ نابُلس، خطُّ سيرٍ بديهي لا أفكر فيهِ مرّتين، أما في ساعاتِ التجلّي تراني أجوبُ البلدة القديمة فيها ذهاباً وإياباً، تسرُقني ضحكةُ طفلٍ، كرمُ معَمّرٍ عادَ بهِ العمر في أزقّتها.

نابُلسُ الحاضِنة كما اعتَدتُ على تسميتها في كل مرّة، تستقبل شهر رمضان المبارك بأسلوبٍ غير اعتياديّ، تفرّدت بهِ عن باقِ مدن فِلَسطين، مع انتهاء شهر شعبان الذي يعجُ بالولائم بين أفراد العائلات النابُلسية، تزيّنت لتستقبلَ الشهر الكريم استقبالاً مهيباً.

حارة القريون
حارة القريون واحدة من أجمل حارات نابُلس وأقدمها، تقع شرق حارة الياسمينة التي تعود مبانيها للعهد العثمانيّ، اجتمع شبابها قبل شهرٍ ونصف من رمضان لأجل هدفٍ واحد، إضاءة أكبر عددٍ من الفوانيس الرمضانية المُزيّنة، عملوا دون كللٍ أو ملل، بحضورٍ عظيم من أهالي نابُلس وضحكات أطفالها احتفلوا بقدوم الشهر المبارك في ساحة حارة القريون.



عدّة الشيخ نظمي
في حارة النوباني، إحدى الحاراتِ الواقعة غرب البلدة القديمة، تقع زاوية الشيخ نظمي الصوفية التي ينتظرها أهالي نابُلس في كل مناسبةٍ دينية تهلّ عليهم كشهر رمضان المبارك، مُتعطّشين لعروضهم الدينية مُستَبشرين بهِم، يُرددون الأناشيد الدينية المصحوبة بالطبول، في رمضان 2019 خرجت عدة الشيخ نظمي مرتين، الأولى في حارة القريون ضمن فعاليات إضاءة الفوانيس الرمضانية والثانية مع احتفال الناس على دُوار الشهداء الواقع في مركز المدينة لإضاءة أكبر هلال رمضاني.


لم تكُن نابُلس إلا شعلة نارٍ لأهلها، يُقبلون عليها حباً بفطرتهم، هي الأرض الطاهرة، تبتلّ روحي بها يخفقُ قلبي على فراقِها، نابُلسُ كما قيلَ عنها "الهرِمة، مهلكة الظّلمة، ماؤها لا يغور، ظالمها لا يدوم وميتها لا يفتن، من أرادها بسوءٍ أهلكهُ الله".


السوق نازل
عادة رمضانية قديمة، فقدها أهالي وأطفال نابلس لسنوات طويلة، بعد أن كانت من الطقوس المميزة فيها، تبدأ مع إثبات رؤية هلال رمضان فيتجمع الأطفال في البلدة القديمة لشراء الحلوى، مُنشدين الأغنية المشهورة "السوق نازل"

ع السوق نازل يا نازل

تحت المنازل يا نازل

وانزلت ع السوق نازل

ولقيت لي تفاحة

حمرا حمرا لفاحة

حلفت ما بادقها

ليجي خيّ وبيّ

أطلعني ع العلية

لقيت شب نايم

غزّيته غزّيت

وشربت من زيته

زيته تمر حنّا

معلق باب الجنّة

يا جنة ما أحلاكِ

رب السما حلّاكِ"
نابُلس اليوم تأخذ منحى آخر، كونها مدينة اقتصادية تعجّ بالتُجار القادمين من كافة أنحاء الضفة الغربية، ومع قرارات بلدية نابلس في هدم بعض معالم المدينة لإنشاء أُخرى حديثة، كان للأمر يدٌ في هجر الأهالي لعاداتهم القديمة وانشغالهم بما يواكب الحياة العملية في يومنا هذا، إلا أن شبابها يبذلون جُهداً عظيماً لإحياء تراثهم من جديد.

فُقدِة رمضان
من العاداتِ التي لازالت تُحافظ على نفسها، نوعُ من أنواع التآلف الاجتماعي بين العائلات النابلسية، عادةً ما تبدأ في نصف رمضان، تتبادل فيها الزيارات والهدايا لتكون دلالة واضحة على أن صلة الرحم لا تقل شأناً عن الصيام في هذه الأيام المُباركة.