كان للصباح رائحةُ غريبة حتى الوقت يمر بطيئاً مثقلاً، الأماني أصبحت معلّقة تُجهّز نفسها للعروج، لم يكُن يوماً عادياً، كيفما حاولت وصفه في هذا المقال لن استطيع ايصال الرهبة واختلاط المشاعر التي انتابتني فور وصولي المكان.
الحادي عشر من نيسان 2019، جهّزت نفسي بعد أن قدّمت تصريحاً قبل أكثر من شهر للسماح لي بدخول القدس للمرة الأولى وأنا في عمر العشرين، "التصريح هو ورقة تفيد بقبول الاحتلال لدخولنا الى أراضينا المغتصبة، فارضاً معتقداته المزعومة وقانوينة حقّه بالأرض، لا يحقّ لنا أن نتمتّع برؤية بلادنا إلّا بهذه الطريقة"، أمسكت هذه الورقة في يدي وكل شيءٍ يسير كما يجب، خرجت من نابلس مُتجهةٌ إلى رام الله بعدها نحو حاجز قلنديا.
كل ما أكتبه هنا أخذ مني وقتاً ملياً لصياغته، الحالة أكثر تعقيداً من الكتابة، أبلغُ من الوصف.
لا أدرِ حقاً كيف يستطيع المرءُ كتابة ما يُبهرُ كيانه، ما يجعله يتصبّبُ عرقاً حين يُفكر أن يحمل قلماً وورقة ليكتُب.
شعرتُ للحظتها أنني أعجزُ عن النُطق ليس فقط الكتابة، كل القصائد والأغاني التي ردَدتها مُشعلةً الحماس فيَّ ومست جوارحي لتدفعُني عِميةً للكتابة والتغنّي بجمال الأرض المباركة، لم تخبُطها قدماي قبل اليوم، كل الأغاني سقطت في هول النظرة الأولى لتعقد لساني، كل الكتب التي قرأتها لأستمدّ منها المفردات لم تُسعفني في الوصف.


الساعة الآن العاشرة صباحاً في قلنديا، جدارٌ لعين فرضه الاحتلال الغاصب، زيّنه الأطفال والشباب المقاومين بمعالم فلسطينية، ليبدوا رفضهم للقيود حتى وإن كانت واقعة، مرسومٌ عليه كل ما يمتُّ البلاد بصلة، يكتمُ الأنفاس إذا ما اقتربت منه محاولاً تخيّل ما قد تجد وراءه، أنا هنا للمرة الأولى، أحفظ المعالم وأشعر بها كما لم يشعُر أحد.
الاستفسار حول كيفية الدخول مقيتة، فالأمر لا يدور حول قلّة معرفتي في المكان فحسب، بل في خيبتي الأولى من تحديد وجهَتي للدخول، فأن أسلك طريقاً غير مسموح قد يُعرض حياة أي فلسطينيّ للخطر لا يُكلفهم أكثر من رصاصة في الجبين من جنديٍ لم يبلغ العشرين يقفُ خائفاً مترصداً.
سرتُ وراء من لهم خبرة في طريق الوصول إلى المدخل الرئيسي للحاجز، شدّتني يافطة ضخمةٌ جداً مكتوبٌ عليها باللغتين العربية والعبرية، "معبر قلنديا"، في مبنى يبدو حديث التجديد، مررتُ عبر ممراتِ التفافية كالمتاهة لأصل مركز التفتيش، فتاتان تتبادلان الضحكات في غرفةِ من زجاجِ واقِ، أشارت واحدة منهن بسبابتها مشيرةً إلى جهاز التفتيش، وضعتُ حقيبة الظهر التي تحوي كاميرا للتصوير وعلبة مياه معدنيّة وعباءة لأرتديها حين أصل المسجد الأقصى، مرّت الحقيبة لأتناولها من الطرف الثاني.
الوجهة الثانية هي مكتب التنسيق والإرتباط داخل حاجز قلنديا، وقفت في الطابور أنتظر دوري لأقدم للمسؤول هناك تصريحي ليفحصه إن كان صالحاً أم لا.

الآن دوري:
أخذت الجندية تصريح زيارتي الأولى وابتسمت لي بمُكر، يقف خلفها جنديٌ يبدو من أصولِ إفريقية مدّرعٌ مدجّجٌ بسلاحه لا يُحرك ساكناً مُتأهباً لأي حركة غير متوقعة، نظرت لي مُتفحصة، كشفت عبر جهاز الحاسوب أمامها حول تصريحي طلبت أن أقف أمام جهاز يفحص ببَصمةِ العين لم أستطِع حتى الآن فهم حاجته، ضحكتُ حين وقفتُ أمامه، علّها رأت شرارة عيني ونارَها أعادت لي تصريحي، هيا.. مرّي.
اجتزتُ الحاجز الآن ومن معي خلف الجدار الفاصل، تعليقاتٌ متشابكة بين الناس منهم من رضيَ وسلّم قائلاً إن الإجراءات سهلة، بسيطة ولا تأخذ وقتاً ومنهم من اجتازه بالدمع والدم!

توقفت الحافلة التي ستنقُلنا مباشرة إلى القدس سرعان ما جلستُ في المقعد تضاربت مشاعري بين الفرح والخيبة، بين العزّة والكسرة لكن التوتر كان سيّد الموقف.. توتّر المرة الأولى من كل شيء!
سارَت الحافلة في طريقها وأنا أتفحص المعالِم، الشوارع، الإعلانات، العبرية، العربية والمارة دون أن أشرد عن أيٍ منها لم تغفل عيني أبداً، تفحصتُ كل شيء بعينين لامعتين بشغفٍ وفضولية بحتة!
كل ما يُمكن أن يُقال زائف، القدس فقط حاضرة، باقية وحقيقية دون شكٍ أو مبالغة.


وصلت الحافلة النقطة الأخيرة، جهّزت نفسي وحملت حقيبة ظهري وانطَلقت، أنا لا أعرف أحداً هنا لا أعرف الاتجاه ولا المكان، المكان هو من عرَفني وعرَّفني.
سرت دون تباطُؤ، سرتُ كما لو أن أحداً يدفعُني من الوراء ولم أهب الطريقَ كعادتي، كانت المرة الأولى التي أسير بها دون تخطيطٍ أو إرشاد.
الكلُّ مروا من هنا، رأيتُ أجناساً كثيرة في بضعة أمتارٍ قطعتها يأتون من كل نواحِ الأرض.
وصلتُ طريق الآلام، سيدةٌ في عمر الخمسين أو السبعين لا أدرِ، لها ملامح غريبة لا يُمكنك تحديدها حتى لو أطلتَ النظر لها، تبيعُ الخس والفجل على طرف الطريق، ضحكتها تُضحكُ العابرين بل تُغشيهم، الزقاق ضيّقة أو تضيق فعدد المارة هائل بالإتجاهين، لأول مرّة لم ينفد صبري ولم يضيقَ صدري، كل بائعٍ في هذه الأسواق يروّج لبضائعه، رائحة المخبوزات "كعك القدس" تحديداً تفوح في الزقاق، الأسواق مليئة بالبائعين والمُشترين والسياح والمبهورين أمثالي، تذكّرت الكاميرا التي كانت في حقيبتي لأوثق تلك اللقطات، أخذتها وأشعلتها وأكملت السير وصولاً إلى بابِ الحديد.